حدود رقابة القضاء الإداري على تقدير درجات الامتحانات وعبء الإثبات في المنازعات الإدارية
بقلم المستشار
اشرف مشرف المحامي بالنقض
يكتسب هذا الحكم أهميته من أنه لا يقف عند حدود منازعة فردية تتعلق بدرجة طالب في مادة الميكانيكا بالثانوية العامة، وإنما يتجاوز هذه الواقعة الجزئية إلى تقرير مبدأين على قدر كبير من الأهمية في مجال القضاء الإداري. أولهما أن تقدير درجات الإجابات في الامتحانات يظل، في الأصل، عملاً فنيًا بحتًا تستقل به الجهة المختصة، فلا يخضع لرقابة القضاء الإداري من حيث التقدير الموضوعي ذاته إلا إذا شابه خطأ مادي ظاهر أو عيب قانوني أو انحراف بالسلطة. وثانيهما أن عبء الإثبات في المنازعة الإدارية لا ينفصل عن أصوله العامة، ولا ينتقل إلى الإدارة على إطلاقه لمجرد امتناعها عن تقديم مستند أو تراخيها في ذلك، ما دام القانون قد رسم طريقًا محددًا لإلزام الخصم بتقديم الدليل الموجود تحت يده، ورتب على الامتناع آثارًا قانونية معلومة.
ومن ثم، فإن قيمة هذا الحكم لا تُقاس فقط بما انتهى إليه من قضاء، وإنما كذلك بما قرره من ضبط للمنهج الواجب اتباعه في فهم المنازعات التعليمية، وفي التفرقة بين ما يدخل في نطاق المشروعية القضائية، وما يظل في دائرة التقدير الفني الذي لا يملك القاضي أن يحل نفسه فيه محل الجهة المختصة.
وتتحصل وقائع الدعوى في أن المدعي أقام دعواه أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية طالبًا وقف تنفيذ وإلغاء قرار اعتماد نتيجة الثانوية العامة لعام 1983 فيما تضمنه من منحه عشرين درجة من خمس وعشرين في مادة الميكانيكا، محتجًا بأنه يستحق الدرجة النهائية، استنادًا إلى أن المادة بطبيعتها ذات إجابات محددة، وأن درجته لا تتناسب – بحسب تصوره – مع إجابته. وقد استجابت محكمة أول درجة لهذا المنطق، وأسست قضاءها على أن الإدارة تحتفظ وحدها بالوثائق الحاسمة في النزاع، وأن امتناعها عن تقديم ورقة الإجابة رغم طلبها ينهض قرينة لصالح المدعي، بما يبرر نقل عبء الإثبات إليها، ثم القضاء له بطلبه.
غير أن المحكمة الإدارية العليا لم تُقر هذا الفهم، ورأت أن هذا المسلك لا يستند إلى صحيح القانون، لا من حيث طبيعة النزاع ذاته، ولا من حيث القواعد الحاكمة للإثبات. ذلك أن المحكمة التفتت أولاً إلى جوهر المنازعة، فاستبان لها أن دعوى الطالب لم تقم على وجود خطأ مادي ثابت في الجمع أو الرصد، ولا على إغفال تصحيح جزء من الإجابة، ولا على تبديل ورقة الإجابة أو نسبة الورقة إلى غير صاحبها، وإنما قامت على مجرد قوله إن إجابته كانت تستحق درجة أعلى، بل تستحق الدرجة النهائية. وهنا يكون الفارق دقيقًا ولكنه حاسم؛ لأن المنازعة إذا انصبت على خطأ مادي أو مخالفة إجرائية أمكن للقضاء أن يتدخل باعتباره رقيبًا على المشروعية، أما إذا انصبت على جوهر التقدير الفني ذاته، فإن القاضي لا يملك أن يجعل من نفسه مصححًا بديلًا أو جهة خبرة فنية موازية لجهة التصحيح.
ومن هذه الزاوية، قررت المحكمة الإدارية العليا أن تقدير درجات الامتحانات يظل عملاً فنيًا بحتًا تستقل به الإدارة، وأن رقابة القضاء عليه لا تكون إلا حيث يثبت خطأ مادي ظاهر، كخطأ في جمع الدرجات، أو سقوط جزء من الإجابة دون تقدير، أو إثبات درجة على خلاف المدون، أو ما إلى ذلك من صور الخلل التي لا تمس جوهر التقدير العلمي بقدر ما تمس سلامة الإجراء أو صحة الأساس الواقعي الذي قام عليه القرار. أما أن يقال إن الإجابة كان يجب أن تُمنح درجة أعلى، فذلك من صميم التقدير الفني، ولا سلطان للقضاء عليه ما لم يقترن بعيب قانوني ظاهر.
وعلى هذا الأساس، بدا لمحكمة الإدارية العليا أن محكمة أول درجة قد أخطأت لا في النتيجة فحسب، بل في المنهج ذاته؛ إذ حوّلت امتناع الإدارة عن تقديم ورقة الإجابة من مجرد واقعة إجرائية قد يكون لها أثرها في الإثبات إلى دليل موضوعي كامل ينهض بذاته لإثبات صحة دعوى المدعي، ثم مضت أبعد من ذلك فرتبت على هذه القرينة المزعومة أحقية الطالب في الدرجة النهائية. وهذا الذي انتهت إليه لا يستقيم؛ لأن المدعي لم يثبت أصلًا أن ورقته قد رُصدت خطأً، ولا أن المجموع المدون عليها يخالف ما تستحقه وفق القواعد الموضوعية للتصحيح، وإنما اقتصر على القول بأن إجابته – في تقديره – جديرة بالدرجة النهائية. ومثل هذا القول لا يكفي وحده لفتح باب الرقابة القضائية على التقدير الفني.
ويظهر من الحكم كذلك أنه أقام تفرقة بالغة الأهمية بين نوعين من المنازعات. فهناك منازعات تتعلق بمشروعية الإجراء ذاته، كإغفال تصحيح سؤال أو صفحة، أو وقوع خطأ في الجمع، أو خطأ في الرصد، أو نسبة الورقة إلى غير صاحبها. وهذه جميعها صور تدخل في صميم ولاية القضاء الإداري؛ لأنه لا يباشر فيها تقديرًا علميًا، وإنما يراقب سلامة الإجراء ومطابقة القرار لما هو ثابت بالأوراق. وفي المقابل، هناك منازعات لا تعدو أن تكون منازعة في التقدير الفني ذاته، كأن يقول الطالب إن المصحح شدد عليه، أو إن إجابته أفضل مما قدر لها، أو إنه يستحق الدرجة النهائية رغم ما ثبت بالكراسة. وهذا اللون من المنازعات لا يملك القضاء أن يخوض فيه على إطلاقه، لأنه ينطوي على إحلال تقدير القاضي محل تقدير المختص الفني، وهو ما يجاوز حدود الرقابة القضائية.
ثم إن الحكم لم يقف عند هذا الحد، بل تناول مسألة عبء الإثبات في المنازعات الإدارية تناولًا دقيقًا، فنبه إلى أن ما يقال من أن الإدارة تحتفظ بالمستندات، ومن ثم تتحمل وحدها عبء الإثبات، ليس قاعدة مطلقة. فالأصل، تطبيقًا للقواعد العامة، أن من يدعي حقًا فعليه إثباته، ومن يدعي نفي التزام أو انقضاءه فعليه إقامة الدليل على ما يدعيه. وهذه القاعدة لا تزول لمجرد أن أحد طرفي الخصومة جهة إدارية. نعم، قد تكون الإدارة حائزة للمستند المنتج في الدعوى، ولكن المشرع لم يترك الخصم الآخر مجردًا من الوسيلة، بل نظم في المواد 20 وما بعدها من قانون الإثبات حالات طلب إلزام الخصم بتقديم المحرر الموجود تحت يده، وبين شروط ذلك الطلب، ورتب على الامتناع آثارًا قانونية محددة. ومن ثم، فلا يجوز للقاضي أن يهدر هذا التنظيم التشريعي الدقيق، ثم يستبدل به قاعدة عامة فضفاضة مؤداها أن مجرد امتناع الإدارة عن تقديم المستند يعد بذاته تسليمًا بصحة دعوى المدعي.
وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات الحكم؛ إذ إنه لم ينفِ إمكان الاستفادة من امتناع الخصم عن تقديم المستند، ولكنه رفض أن يتحول هذا الامتناع إلى قرينة قاطعة ومطلقة دون سلوك الطريق القانوني المقرر. وبذلك يكون الحكم قد أعاد التوازن إلى مسألة كثيرًا ما يثور حولها الخلط في المنازعات الإدارية، وهي أن خصوصية الإدارة لا تعني إعفاء المدعي من الإثبات، كما لا تعني في المقابل تركه دون وسيلة لمواجهة احتفاظها بالمستندات، وإنما تعني إخضاع الأمر للآليات التي رسمها القانون.
وفي هذا السياق أيضًا، رفضت المحكمة القول بأن قواعد الإثبات المدنية لا تلائم المنازعة الإدارية على إطلاقها، مؤكدة أن التنظيم الوارد في قانون الإثبات بشأن إلزام الخصم بتقديم المحرر الموجود تحت يده لا يتعارض مع طبيعة الخصومة الإدارية، بل يحقق التوازن بين طرفيها. فالقضاء الإداري، وإن كان قضاء مشروعية، يظل قضاء قانون، ولا يملك أن ينشئ لنفسه قواعد إثبات موازية أو أن يهدر النصوص بدعوى خصوصية المنازعة، ما دام لا يوجد نص خاص يبرر هذا الخروج.
ولما نظرت المحكمة الإدارية العليا في أوراق الدعوى بعد أن قدمت الإدارة صورة ضوئية من كراسة الإجابة، تبين لها أنها تخص الطالب فعلًا، وتحمل اسمه ورقم جلوسه، كما تبين أن الأسئلة الأربعة قد قُدرت درجاتها على نحو مفصل، وأن مجموعها بلغ عشرين درجة من خمس وعشرين. ثم دعمت الإدارة ذلك بإفادة من الإدارة العامة للامتحانات تفيد أن جميع الأسئلة قد قُدرت، وأنه لا يوجد جزء متروك دون تصحيح، وأن الجمع صحيح، وأن الرصد مطابق، وأن الكراسة أعيد عرضها على المختصين فتأكدت سلامة التقدير. وعندئذٍ أصبح الثابت بالأوراق أن ورقة الإجابة تخص الطالب، وأن التصحيح قد تم كاملًا، وأنه لا خطأ في الجمع أو الرصد، وأن الزعم باستحقاق الدرجة النهائية لا يجد له سندًا من واقع الدعوى. ومن ثم، لم يعد ثمة محل للقول بأن مجرد امتناع الإدارة السابق عن تقديم الورقة ينهض وحده سندًا للقضاء للمدعي بطلبه، بعد أن ظهرت الحقيقة المادية واضحة في ملف الدعوى.
ومن الناحية العملية، يرسم هذا الحكم للمحامي وللمتقاضي معًا حدود التحرك السليم في منازعات الامتحانات. فهو يقرر بوضوح أن مجرد القول: “أنا أستحق أكثر” لا يكفي، وأنه لا بد من تحديد موضع العيب تحديدًا قانونيًا أو ماديًا منضبطًا، كوجود خطأ في الجمع، أو إغفال تصحيح إجابة، أو خلل في الرصد، أو نسبة الورقة إلى غير صاحبها. كما يقرر أن بناء الدعوى على توقعات نفسية أو انطباعات ذاتية من قبيل أن المادة لا تحتمل الاجتهاد، أو أن الطالب متأكد من الحل، أو أن الدرجة لا تعقل، لا يغني شيئًا عن الإثبات القانوني المحدد. كذلك فإن من يواجه الإدارة في خصومة يكون فيها المستند الحاسم تحت يدها، عليه أن يستعمل أدوات الإثبات التي قررها القانون، فيطلب إلزامها بتقديمه، ويحدد المستند ووجه إنتاجه في الدعوى، ويتمسك بما يترتب على الامتناع من آثار، لا أن يقيم دعواه من أولها إلى آخرها على مجرد عدم التقديم.
ومع ذلك، فإن الحكم – على ما فيه من انضباط – يثير وجهًا صالحًا للتأمل من ناحية حماية الأفراد؛ إذ قد يقال إن الإدارة كثيرًا ما تكون هي الحائزة وحدها للدليل الفني، وأن بطء تقديمها للمستند قد يضع المدعي في مركز إجرائي أضعف. غير أن المحكمة الإدارية العليا ردت هذا الاعتراض ردًا ضمنيًا حين قررت أن القانون نفسه قد عالج هذه الحالة، من خلال نظام إلزام الخصم بتقديم المحرر والجزاء المترتب على الامتناع، فلا محل لابتداع قرائن قضائية مطلقة خارج النص. وبهذا المعنى، فإن الحكم لا ينحاز للإدارة، وإنما ينحاز إلى المنهج القانوني المنضبط في إدارة الإثبات.
وخلاصة الأمر أن هذا الحكم يعد من الأحكام المرجعية في رسم الحد الفاصل بين رقابة القضاء على المشروعية وبين امتناعه عن مزاحمة الجهة الفنية في صميم اختصاصها. كما أنه يؤكد أن عبء الإثبات في المنازعات الإدارية لا ينفصل عن أصوله العامة، وأن امتناع الإدارة عن تقديم مستند لا يكفي وحده لقلب مركز الإثبات أو التسليم بصحة دعوى المدعي، ما دام القانون قد رسم طريقًا محددًا لإلزام الخصم بتقديم ما تحت يده من أدلة. ومن ثم فإن الحكم، في حقيقته، لا يدافع عن قرار إداري بقدر ما يدافع عن فكرتين متلازمتين لا يستقيم القضاء بدونهما: احترام التخصص الفني، واحترام الأصول الإجرائية للإثبات.
تطبيقًا لما سلف بيانه من أصول، يتبين للقارئ أن هذا القضاء لم يكن مجرد حسمٍ لنزاعٍ فردي حول خمس درجات، وإنما كان تقريرًا لمبدأين بالغَي الأثر: أولهما أن القضاء الإداري يظل رقيبًا على المشروعية لا بديلًا عن الجهة الفنية في التقدير، وثانيهما أن عبء الإثبات لا ينتقل على سبيل التوسع أو الافتراض، وإنما يظل محكومًا بالقواعد التي رسمها القانون ووسائلها المحددة. ومن ثم، فإن الرجوع إلى نص الحكم ذاته يكشف بوضوح عن البناء القضائي الذي أقامت عليه المحكمة الإدارية العليا هذا النظر، وكيف استخلصت من وقائع الدعوى وأوراقها أن المنازعة قد جاوزت حدود الخطأ المادي إلى مجادلة في صميم التقدير الفني، وهو ما لا يسوغ للقضاء أن يتصدى له إلا في الحدود التي يجيزها القانون. وفيما يلي النص الكامل للحكم، لما ينطوي عليه من دقة في التسبيب، وأهمية في التأصيل، وفائدة عملية لكل مشتغل بالقانون أو مهتم بمنازعات التعليم والرقابة القضائية على أعمال الإدارة.
باسم الشعب
مجلس الدولة
المحكمة الإدارية العليا
بالجلسة المنعقدة علناً برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور أحمد يسرى عبده رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة محمد المهدى مليحى ومحمد أمين المهدى وفاروق عبد الرحيم غنيم والسيد السيد عمر المستشارين.
* إجراءات الطعن
فى يوم الاثنين الموافق 27 من مايو 1985 أودعت إدارة قضايا الحكومة (هيئة قضايا الدولة بمقتضى القانون قم 10 لسنة 1986) نيابة عن وزير التربية والتعليم بصفته رئيس لجنة تصحيح أوراق إجابات شهادة الثانوية العامة بمحافظة الإسكندرية بصفته قلم كتاب هذه المحكمة تقريرا بالطعن قيد بجدولها برقم 2365 لسنة 31 القضائية ضد السيد / – – – – – – – – – فى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية فى الدعوى رقم 1854 لسنة 37 القضائية الذى قضى بقبول الدعوى شكلا وبإلغاء قرار اعتماد نتيجة امتحان شهادة الثانوية العامة لعام 1983 فيما تضمنه من عدم استحقاق المدعى الدرجة النهائية فى مادة الميكانيكا وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام جهة الإدارة بالمصروفات. وطلب الطاعنان للأسباب المبينة فى تقرير الطعن الأمر بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه والحكم بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بإلغاء هذا الحكم وبرفض الدعوى مع إلزام المطعون ضده بالمصاريف والأتعاب عن درجتى التقاضى. وأعلن تقرير الطعن قانونا وقدمت هيئة مفوضى الدولة تقريرا مسببا رأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا وبوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه ثم القضاء بإلغائه وبرفض الدعوى وإلزام المطعون ضده بالمصروفات، وعرض الطعن على دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة بجلسة 2/6/1986 وتداول بجلساتها حتى قررت بجلسة 15/12/1986 وإحالته إلى المحكمة الإدارية العليا (دائرة منازعات الأفراد والهيئات والعقود الإدارية والتعويضات) لنظره بجلسة 17/1/1987 فنظرته المحكمة فى هذه الجلسة على الوجه المبين بمحضرها وبعد أن سمعت ما رأت لزومه من إيضاحات قررت فى الجلسة المذكورة إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
* المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
ومن حيث أن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث أن وقائع المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – فى أنه بتاريخ 27/9/1983 أقام – – – – – – – – – – – الدعوى رقم 1854 لسنة 37 القضائية أمام محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية ضد وزير التربية والتعليم ورئيس لجنة تصحيح أوراق إجابات شهادة الثانوية العامة بمحافظة الإسكندرية طالبا الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء قرار اعتماد نتيجة الثانوية العامة لعام 1983 بالنسبة للدرجة الحاصل عليها فى مادة الميكانيكا واعتباره كأن لم يكن وجعلها 25درجة أى الدرجة النهائية مع إلزام جهة الإدارة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماه وسنده فى ذلك أنه تقدم لامتحان شهادة الصف الثالث الثانوى العام (الثانوية العامة) لعام 1983 تحت رقم جلوس 260831 منازل النيل منطقة غرب الإسكندرية القسم العلمى (شعبة العلوم) وبتاريخ 30/7/1983 ظهرت نتيجة الامتحان وتضمنت نجاحه بمجموع كلى قدره 337 من 400 درجة وأن درجة نجاحه فى مادة الميكانيكا 20 درجة بينما يستحق الدرجة النهائية لهذه المادة وهى 25 درجة لأن الدرجة التى نسبت إليه لا تخصه ولا تتناسب مع إجابته فى مادة رياضة بحته ذات نتيجة محددة لا مجال فيها للاجتهاد ولا توجد سلطة تقديرية للمصحح فى منح الدرجة، ويقتضى التحقق من ذلك ضم ورقة إجابته فى هذه المادة لاعادة تصحيحها بمعرفة لجنة فنية مختصة أو خبير تعينه المحكمة, وقدمت الجهة الإدارية بيانا بدرجات المدعى تضمن أنه حصل فى مادة الميكانيكا على 20 درجة وبجلسة 28 من مارس 1985 أصدرت المحكمة حكمها موضوع هذا الطعن باعتبار أن الدعوى قد أصبحت مهيئة للفصل فيها موضوعا وأقامت قضائها على أنه ولئن كان الأصل أن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعى إلا أن الأخذ بهذا الأصل على إطلاقه فى مجال المنازعات الإدارية لا يستقيم مع واقع الحال بالنظر إلى احتفاظ الإدارة فى قالب الأمر بالوثائق والملفات ذات الأثر الحاسم فى المنازعة، لذا فإن من المبادئ المستقرة فى المجال الإدارى أن الإدارة تلتزم بتقديم سائر الأوراق والمستندات المتعلقة بموضوع النزاع والمتجه فى إثباته إيجابا ونفيا متى طلب منها ذلك فإذا نكلت عن تقديم الأوراق فإن ذلك يقيم قرينة لصالح المدعى تلقى عبء الإثبات على عاتق الحكومة ولما كان المدعى يطعن فى قرار اعتماد نتيجة امتحانات فى شهادة الثانوية العامة سنة 1983 مرارا بتقديم ورقة إجابته فى المادة المذكورة إلا أنها عزفت عن تقديمها رغم أنها فى حوزتها وكانت تستطيع أن تقديمها أن تدحض الدعوى لو كانت غير صحيحة فتقوم من ثم قرينة فى صالح المدعى تؤيد صحة دعواه بأنه حاصل على الدرجة النهائية فى هذه المادة وبذلك يغدو القرار المطعون فيه غير قائم على أساس من الواقع والقانون.
ومن حيث أن طعن الحكومة يقوم على مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون والخطأ فى تطبيقه وتأويله، ويستند إلى أن التصحيح تقدير درجات الإجابة عملية فنية بحتة لا يجوز قانونا أن تخضع لرقابة القضاء الإدارى حتى لا يؤدى ذلك إلى التدخل فى أمور فنية تقديرية هى من اختصاص الجهة المنوط بها أمر التصحيح فلا تحل المحكمة محلها فى ذلك ما لم يكن قد شاب التصحيح وتقدير الدرجات خطأ مادى أو إساءة لاستعمال السلطة، ويتضح من المستندات المرفقة بالطعن أن الإدارة العامة للامتحانات قد أفادت بأنه بالرجوع إلى سجلات الرصد الأصلية بالإدارة العامة للامتحانات وجد أن المدعى حاصل على 20 درجة فى مادة الميكانيكا وانه بمراجعة كراسة إجابته تبين أنه تم مراجعة جميع جزئيات الدرجة لكل سؤال وثبت أنها صحيحة ومطالبة لما هو مدون للطالب بسجلات الرصد وأن جميع إجاباته مقدرة ولم يترك منها أى جزء دون تقدير، وبذلك يكون المدعى قد حصل على الدرجة التى يستحقها وفقا لاجابته التى تم التحقق منا بمعرفة الفنيين المتخصصين فى هذا الشأن ولا يسوغ للقضاء الإدارى أن يتدخل فيما تستقل به جهة الإدارة على هذا النحو ما دام أن قرار إعلان النتيجة كان مستندا على أصول موجودة ومستخلصا استخلاصا سائغا ماديا وقانونيا. أما ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أن الحكومة قد نكلت عن تقديم الأوراق فتقوم قرينة لصالح المدعى تلقى بعبء الإثبات على عاتق الإدارة فهو مخالف قاعدة قانون الإثبات التى تقضى بأن على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه كما يخالف الأصل المقرر فى الإثبات بأن البينة على من ادعى.
من حيث أن الثابت من الصورة الضوئية التى قدمتها الإدارة أثناء نظر الطعن لكراسة الاجابة فى مادة الميكانيكا فى إمتحان شهادة إتمام الثانوية العامة لعام 1983 انها تخص المطعون ضده فعليها اسمه ورقم جلوسه كما ورد بعريضة الدعوى وبمراجعتها تبين أنها تضمنت إجابته عن أربعة أسئلة وقدرت الدرجة عن كل سؤال على النحو الآتى : 7 عن السؤال الأول و 4.5 عن السؤال الثانى و 3.5 عن السؤال الثالث و 5 عن السؤال الرابع ومجموع الدرجات 20 من 25 درجة. وقد أفادت الإدارة العامة للامتحانات بوزارة التربية والتعليم بأن الكراسة تم فحصها ومراجعة جزئيات الدرجة لكل سؤال من الداخل ووجد أنه صحيحة ومطابقة لما هو مدون لكل سؤال على غلاف الكراسة وأن المجموع الكلى صحيح ومطابق لما هو يدون للطالب بسجلات الرصد ثم أعيد عرضها على الفنيين فتأكدت سلامة التقدير ودقته وصحة الجمع والرصد بما لا يدع مجالا لأى شك فى نقص أو زيادة فى درجة الطالب وإذ ثبت ما تقدم يكون ادعاء المطعون ضده بأن هذه الكراسة لا تخصه ولا تتناسب الدرجة التى منحها مع إجابات فى مادة الميكانيكا وأنه يستحق الدرجة النهائية فى هذه المادة – إدعاء غير صحيح لا أساس له من الواقع لمخالفته الثابت من الأوراق وهو ما يقتضى رفض الدعوى، ولا ينهض سندا سليما للحكم المطعون فيه الأخذ بغير هذا النظر ما قرره بشأن موقف الجهة الإدارية من عدم تقديمها كراسة إجابة المطعون ضده فى المادة المذكورة رغم طلب تقديمها مرارا من جانب المحكمة واستظهاره من ذلك قرينة لصالح المطعون ضده تنقل عبء الإثبات على عاتق الإدارة.
فعبء الإثبات فى المنازعة الإدارية لا يخرج فى أصله وكقاعدة عامة عنه فى غيرها إذ الأصل طبقا للمادة ( 1 ) من قانون الإثبات فى المواد المدنية والتجارية أن على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه وهو تطبيق لأصل جوهرى معناه أن مدعى الحق عليه إثبات وجوده لصالحه قبل من يبدى التزامه بمقتضاه. فإذا ما أثبت ذلك كان على المدعى عليه أن يثبت تخلصه منه أما بإثبات عدم تقرير الحق أصلا أو عدم ثبوته للمدعى أو انقضائه وذلك كله عن وجه مطابق للقانون. ومقتضى ذلك أن المدعى عليه هو الذى يتحمل بعبء إثبات ما يدعيه بدعواه، فإذا ما أقام الدليل الكافى على ذلك كان على المدعى عليه أن يقيم الدليل الداحض لأدلة المدعى النافى لدعواه. وقد تحسب القانون لحالة وجود محرر يفيد فى إثبات دعوى أحد الخصوم تحت يد خصمه فأجازت المادة ( 20 ) من قانون الإثبات للخصم أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أى محرر منتج فى الدعوى يكون تحت يده فى حالات ثلاث: إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه أو إذا كان مشتركا بينه وبين خصمه ويعتبر المحرر مشتركا على الأخص إذا كان محررا لمصلحة الخصمين أو كان مثبتا لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة أو إذا استند إليه خصمه فى أية مرحلة من مراحل الدعوى. ثم أوضحت المادة (21) الشروط الواجب توافرها فى طلب الالتزام بتقديم المحرر وإلا كان الطلب غير مقبول إذا لم تراع فيه أحكام المادتين السابقتين ثم أوجبت المادة (23) على المحكمة أن تأمر بتقديم المحرر فى الحال أو فى أقرب موعد تحدده إذا أثبت الطالب طلبه وأقر الخصم بأن المحرر فى حيازته. فإذا لم يقم الخصم بتقديم المحرر فى الموعد الذى حددته المحكمة فقد اعتبرت المادة 24 صورة المحرر التى قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها، فإن لم يكن خصمه قد قدم صورة من المحرر جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكله وموضوعه.
ومع هذا التنظيم الدقيق الكامل لأمر إلزام الخصم بتقديم دليل تحت يده الذى يصل إلى الأخذ بالصورة التى يقدمها الطالب من المحرر واعتبارها نسخة مطابقة لأصلها فان لم يكن قدم صورة ( لتعذر حصوله على هذه الصورة مثلا) جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكل المحرر وموضوعه ولا شك أن هذه الأحكام فى مجملها لا تتعارض مع طبيعة المنازعة الإدارية فإن تجاهل هذه النصوص القائمة على جوهر الحق وأصول إثباته والتى عمدت إلى إيجاد التوازن الدقيق بين طرفى الخصومة بما يضمن تقديم أى دليل منتج فى الدعوى وإلزام الخصم الذى تحت يده بتقديمه لصالح خصمه بل وضد صالحه الخاص بما يترتب من جزاء عن الامتناع وبما يكفل إيداع المستندات تطبيقا لأحكام المادة 26 من قانون مجلس الدولة، تكون ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من اعتبار امتناع الإدارة عن تقديم ورقة الامتحان أو التراخى فى تقديمها مع ما اقترن به من عدم استعمال المحكمة لكل سلطاتها التى خولها لها القانون فى الالتزام بتقديم الدليل بما يكفل إتمامه فاعتبار ذلك تسليما بدعوى المدعى إلى الحد الذى وصل إلى اعتبار دعواه استحقاقه الدرجة النهائية صحيحا مع أنه لم يدع حصوله فى الورقة فعلا على هذه الدرجة وإنما ادعى استحقاق إجابته فيها لهذه الدرجات هذا الذى ذهب إليه الحكم إنما هو فى ضوء مجموع ظروف الدعوى ووقائعها وطلبات الخصم فيها على أحكام القانون لم يكن فى إجراءات الدعوى ما يبرره: وإذ خالف الحكم المطعون فيه أحكام القانون فأهدرها بما انتهى به إلى قضائه المخالف للقانون من إلغاء قرار اعتماد نتيجة امتحان المطعون ضده فيما تضمنه من عدم استحقاقه الدرجة النهائية فى المادة المذكورة فيكون واجب الإلغاء وإذ تريه أن ورقة الإجابة قد استوفت أوضاع تصحيحها على وجه مطابق للقانون فيتعين رفض الدعوى وإلزام المطعون ضده مصروفات الدرجتين.
* فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الدعوى وألزمت المطعون ضده المصروفات.
اشرف مشرف المحامي/ 00201118850506 / 00201004624392 /00201224321055 / ashrf_mshrf@hotmail.com /مصر / www.ashrfmshrf.info / ولله الأمر من قبل ومن بعد